أحمد بن أعثم الكوفي

330

الفتوح

ذكر كلام علي بن أبي طالب في عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . قال : وكان جعفر بن محمد يقول لأبي : علي بن أبي طالب عليه السلام هو الذي غسل عمر رضي الله عنه بيده وحنطه وكفنه ثم وضعه على سريره وأقبل على الناس بوجهه فقال : أيها الناس ! هذا عمر بن الخطاب رضي [ الله ] عنه قد قضى نحبه ولحق بربه ، وهو الفاروق ، وقرن من حديد وركن شديد ، كان لا تأخذه في الله لومة لائم ، عقل من الله أمره ونهيه ، فكان لا يتقدم ولا يتأخر إلا وهو على بينة من ربه حتى كأن ملكا يسدده ويوفقه ، كان شفيقا على المسلمين ، رؤوفا بالمؤمنين ، شديدا على الكافرين ، كهفا للفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والمستضعفين ، كان يجيع نفسه ويطعمهم ، ويعري نفسه ويكسيهم ، كان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة ، فرحمه الله حيا وميتا ! والله ما من أحد من عباد الله عز وجل أحب إلي من أن ألقى الله عز وجل بمثل عمله من هذا المجيء بين أظهركم . قال : ثم أقبل علي كرم الله وجهه على صهيب بن سنان مولى بني تميم فقال له : تقدم رحمك الله فصل عليه كما أمرك . قال : فتقدم صهيب فصلى على عمر ، فكبر عليه أربعا ، ثم حمل على أعواد المنايا يراد به إلى بيت عائشة رضي الله عنها ليدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وضج المسلمون بالبكاء والنحيب . قال : ثم أدخل عمر رضي الله عنه حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد حفره قبره ليدفن هنالك ، وإذا بهاتف يهتف سمعه جميع المسلمين وهو يقول : شعر : ليبك على الاسلام من كان باكيا * فقد أوشكوا هلكا وكل على العهد وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها * وقد ملها من كان يوفق بالوعد قال : فدفن عمر إلى جنب أبي بكر رضي الله عنهما فأولهم النبي صلى الله عليه وسلم ، والثاني أبو بكر ورأسه قريب من كتف النبي صلى الله عليه وسلم ، والثالث عمر ورأسه قريب من كتف أبي بكر . قال : وقد ضاق البيت لما دفن فيه عمر فصارت رجلا عمر تحت حائط البيت قريبا من موضع الأساس ، ولقد سمع أهل المدينة هاتفا من الجن يسمع جميع أهلها ويرثي عمر ( 1 ) .

--> ( 1 ) في طبقات ابن سعد 3 / 374 عن عائشة قالت : سمعت ليلا ما أراه إنسيا نعى عمرا وهو يقول : جزى الله خيرا من أمير وباركت * يد الله في ذاك الأديم الممزق فمن يمشي أو يركب جناحي نعامة * ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * بوائق في أكمامها لم تفتق وعنده عن سليمان يسار أن الجن ناحت على عمر . وذكر أبياتا قريبة من التي سبقت .